عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
120
اللباب في علوم الكتاب
وأجاب أبو البقاء بثلاثة أجوبة : أحدها : التوكيد ، نحو : قم قائما . الثاني : أنه وصل به ما حسّن التكرير ، وهو الإيمان . الثالث : أنه لو اقتصر على الاسم لجاز أن يكون « سمع » مقرونا بالنداء بذكر ما ليس بنداء ، فلمّا قال : « ينادي » ثبت أنهم سمعوا نداءه في تلك الحال . ومفعول « ينادي » محذوف ، أي : ينادي في الناس ، ويجوز ألا يراد مفعول ، نحو : أمات وأحيا . ونادى ودعا يتعديان باللام تارة ، وب « إلى » أخرى ، وكذلك ندب . قال الزمخشريّ : وذلك أن معنى انتهاء الغاية ومعنى الاختصاص واقعان جميعا ، فاللام في موضعها ولا حاجة إلى أن يقال : إنها بمعنى « إلى » ولا أنها بمعنى الباء ، ولا أنها لام العلة - أي : لأجل الإيمان - كما ذهب إليه بعضهم ووجه المجاز فيه أنه لما كان مشتملا على الرشد وكان كل من تأمّله وصل به إلى الهدى - إذا وفّقه اللّه لذلك - صار كأنه يدعو إلى الهدى ، وينادي بما فيه من أنواع الدلائل ، كما قيل - في جهنم - : تَدْعُوا مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى [ المعارج : 17 ] إذ كان مصيرهم إليها . فصل [ في اختلاف العلماء بالمراد بالمنادي ] فصل اختلفوا في المراد بالمنادي ، فقال ابن مسعود ، وابن عباس ، وأكثر المفسّرين : يعني محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم « 1 » وقال القرطبيّ : يعني القرآن ؛ إذ ليس كلهم سمع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ودليل هذا القول ما أخبر اللّه - تعالى - عن مؤمني الجنّ إذ قالوا : إِنَّا سَمِعْنا قُرْآناً عَجَباً يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ [ الجن : 1 - 2 ] . قوله : « أَنْ آمِنُوا » في « أن » قولان : أحدهما : أنها تفسيرية ؛ لأنها وقعت بعد فعل بمعنى القول لا حروفه ، وعلى هذا فلا موضع لها من الإعراب . ثانيهما : أنها مصدرية ، وصلت بفعل الأمر ، وفي وصلها به نظر ، من حيث إنها إذا انسبك منها وما بعدها مصدر تفوت الدلالة على الأمرية ، واستدلوا على وصلها بالأمر بقولهم : كتبت إليه بأن قم فهي - هنا - مصدرية [ ليس إلا ، وإلا يلزم عدم تعلّق حرف الجر ، وإذا قيل بأنها مصدرية ] « 2 » فالأصل التعدي إليها بالباء ، أي : بأن آمنوا ، فيكون فيها المذهبان المشهوران - الجرّ والنصب . قوله : « فآمنّا » عطف على « سمعنا » والعطف بالفاء مؤذن بتعجيل القبول وتسبب الإيمان على السّماع من غير مهلة ، والمعنى : فآمنا بربنا .
--> ( 1 ) أخرجه الطبري في « تفسيره » ( 7 / 481 ) عن ابن جريج وابن زيد . ( 2 ) سقط في أ .